حامد السهيل: ونستون تشرِشل يتحدث عن شرق القرين

  • القبس الالكتروني
  • 17 Sep 2018

لقد كان لونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني السابق تقدير كبير للاقتصاد الرأسمالي والمنافسة الحرة على الرغم من انتمائه للحزب الاشتراكي. وكان له خطاب تاريخي صنف كأحد أعظم الخطب في تاريخه والاقتصاد بشكل عام وكان يسعى من خلاله الى تثقيف زملائه أعضاء الحزب حول كيفية الدفاع عن اقتصاد الدولة والمجتمع من ضرر اقتصادي كبير وهو احتكار الأراضي.
وعندما ألقى تشرشل الخطاب في 17 يوليو 1909 ميلادية، وكان وقتها وزيرا للتجارة، شرح كيف يتغلغل الأثر السلبي لاحتكار الأراضي على كل مناحي التنمية والرفاهية في المجتمع.
وهذا جزء مترجم لبعض ما جاء في خطاب تشرشل:
«احتكار الأراضي ليس هو الاحتكار الوحيد، ولكنه أعظم الاحتكارات بلا منازع، وهو أم كل أشكال الاحتكارات الأخرى. الربح غير المستحق الناتج من الأراضي المحتكرة ليس المصدر والشكل الوحيد للأرباح غير المستحقة ولكنه أصل كل مصادر الأرباح غير المستحقة، هذه الأرباح ليست فقط غير نافعة ولكنها أيضا تسبب ضررا على المجتمع. الأرض، التي تمثل حاجة رئيسية لوجود البشر، وهي المصدر الأصلي لكل الثروات، والتي تتوافر بكمية محدودة وتقع في منطقة جغرافية محددة، هذه الأرض تختلف عن كل الاشكال الأخرى من الأملاك.
لا شيء أكثر إمتاعا من مشاهدة جهود محتكري الأراضي بالادعاء أن الملكيات الأخرى – غير الأراضي – وأرباح هذه الأملاك تتشابه مع الأراضي والأرباح غير المستحقة التي يجنونها منها. كلما ازداد عدد السكان حول هذه الأرض، كان ضرر احتكار الأرض أكبر، وبالتالي ازدادت المعاناة لدى الجميع وكان الضرر أكثر جسامة على قوة الاقتصاد ونشاطه، زاد ربح مالك الأرض عند بيعها.
الأرباح الناتجة من بيع لوحات فنية لفانديك أو هولبين تختلف بشكل كامل، لأن هذه الصور لا تقف عائقا في وجه أحد، ولا تضع تكلفة إضافية على مصاريف أي عنصر منتج، ولا يؤثرون على انتاج أي منشأة، ولا يعيقون الحركة الإبداعية التي تؤثر في المستوى المعيشي للملايين من الشعب.
عندما ترتفع أسعار الأسهم ويجني أصحابها أرباحا غير متوقعة، فإنهم لا يجنونها على حساب المجتمع ولا من خلال حرمان المجتمع من أراض أو سلع يحتاجونها، ولكن أصحاب الاسهم يربحون مقابل رأس المال الذي وفروه لقطاع الأعمال ومن دونه لا يمكن أن تستمر أو تنمو هذه الأعمال.
الطرق والشوارع تُبنى، الخدمات تتطور، الكهرباء تحول الليل لنهار، الماء يتم إحضاره من مكامنه في الجبال من مئات الأميال، بينما يجلس ملاك العقار بلا حراك. كل هذه التحسينات والخدمات تنتج عن عمل وإنفاق الناس ودافعي الضرائب. وفي الوقت الذي لا يساهم محتكرو الأراضي بأي من هذه التحسينات تستمر قيمة أراضيهم بالارتفاع. لا يساهم محتكرو الأراضي بأي خدمة للمجتمع، ولا يساهمون بأي منفعة للعامة ولا يساهمون بأي من هذه العوامل التي تؤدي بالنهاية لإثرائه.
فبينما ينتظر مالك الأرض نضوج أرضه حتى يحصل على أرباحه غير المستحقة، يخسر الناس فرصتهم في الاستفادة من الأرض، وتخسر الدولة الضرائب التي يمكن أن تجنيها لو تم تطوير الأرض بشكل طبيعي، بينما يجلس محتكر الأراضي بلا حراك، يتابع باستمتاع قيمة أرضه ترتفع، وأحيانا ترتفع أضعافا مضاعفة من دون أي مجهود من طرفه.
لنتابع هذه العملية بشكل أكبر، يرتفع عدد السكان أكثر وأكثر، يزداد ازدحام المناطق الفقيرة، ترتفع الإيجارات، وتمتلئ المساكن بالعوائل. وأخيرا تصبح الأرض ناضجة للبيع، هذا يعني أن سعر الأرض الآن أصبح مغريا جدا ومن الصعب أن يقاومه مالك الأرض. وفي هذه اللحظة، هذه اللحظة فقط يقوم ببيعها بالقدم أو بالبوصة بعشرة أضعاف أو بعشرين ضعفا أو حتى بخمسين ضعف سعرها الأصلي.
بلدية المدينة التي ترغب أن توسع الشوارع وتزيد حجم المنازل وتجعل البيئة أكثر صحية وتحسن تخطيط المدن تُجبر على دفع مبالغ أكبر بسبب المحتكرين. فكلما حسنت البلدية من المدينة، اضطرت لدفع المزيد مستقبلا بسبب التحسينات التي قامت بها بالماضي وتسببت في رفع أسعار الأراضي الجديدة.
أصحاب المصانع الذين يحاولون بدء صناعة جديدة ليخلقوا الوظائف لآلاف الناس يُجبرون على دفع مبالغ أكبر للأراضي وتحمل مصاريف أكبر وجني أرباح أقل تبطئ نموهم وتقلل من قدرتهم التنافسية، ويصل ضرر هذه التكاليف الإضافية للرواتب التي يدفعها لموظفيه. فأرباحه تنخفض بسبب تكاليف الأرض ويعجز عن دفع رواتب عالية، وموظفوه يطلبون رواتب أكبر لتغطية ارتفاع الإيجارات.
أيا كان المثال الذي تختاره، ستلاحظ أن كل المجالات التي تسهم في التنمية تمر أولا على المحتكر، ليأخذ لنفسه نصيبا منها. وكلما أراد شخص أو جهة عامة الاستفادة من أرض بالشكل الأمثل فإنها مجبرة على دفع مبلغ لقيمة الأرض لرجل كان لا يستفيد من الأرض بشكل كامل أو لا يستفيد منها إطلاقا.
كل هذا عائد لقيمة الأرض ومالكها الذي يستطيع فرض تكلفة إضافة على كل أشكال الثروة الأخرى وكل أشكال الصناعة. وفي بعض الأحيان يستأثر بكل القيمة المضافة التي يقدمها المجتمع. فعندما ترتفع رواتب الموظفين، فإن الإيجارات يمكنها الارتفاع أيضا، لأن الموظف أصبح قادرا على دفع مبلغ أكبر. وعندما يتم إطلاق سكة حديد جديدة أو مترو أو عندما تطور إحدى المؤسسات من خدماتها وتخفض التكاليف أو عندما يقدم اختراع جديد قيمة إضافية لسكان أي منطقة وتصبح حياتهم أسهل وأوفر، فإن مالك العقار يمكنه أن يجبرهم على دفع مبالغ أكبر مقابل العيش بتلك المنطقة.
قبل بضع سنوات في لندن، كان هناك رسوم يدفعها كل من يقطع أحد الجسور التي تمر بنهر التايمز، وكل العاملين الذين كانوا يسكنون في الضفة الجنوبية للنهر كان عليهم دفع بنس واحد عند المرور بهذا الجسر. وكان مشهد هؤلاء المساكين وهم يدفعون جزءا كبيرا من دخلهم مستفزا لضمير العامة، مما دفع مسؤولي البلدية في النهاية لإلغاء هذه الرسوم وتحميلها على دافعي الضرائب، وأصبح المرور من الجسر مجانيا. كل من كان يستخدم الجسر يوميا استطاع الآن توفير ستة بنسات أسبوعيا، ولكن خلال فترة قصيرة ارتفعت أسعار الإيجارات في الضفة الجنوبية بمقدار ستة بنسات اسبوعيا أي بما يعادل المبلغ الذي تم تخفيضه للمارين من الجسر. كل هذا بسبب الأراضي، فمالك الأرض يمكنه امتصاص جزء من كل تحسين عام أو خاص، مهما كان كان هذا التحسين كبيرا أو صغيرا.
أتمنى أن تفهموا أنني عندما أتكلم عن محتكري الأراضي، فأنا أصف الوضع ولا أصف المحتكر نفسه، الذي يكون في كثير من الأحيان شخصا جيدا، وفي الغالب غير واع بالطرق التي يثري بها نفسه، وأنا لا أحاول أن أوجه غضب الناس تجاه طبقة معينة. لا أعتقد أن الرجل الذي يحصل على ربح غير مستحق من الأراضي هو أسوأ أخلاقيا من أي شخص آخر يجني الربح بشكل مستحق. نحن لا نهاجم الأشخاص، بل نهاجم النظام. المشكلة ليست في الأشخاص، ولكن المشكلة في النظام.
محتكر الأرض ليس هو من يستحق اللوم على فعل شيء يسمح به القانون ويفعله الآخرون، ولكن الدولة عليها المسؤولية الاولى لتقديم إصلاحات في القوانين وتصحيح المسار. لا نريد معاقبة ملاك العقار، ولكننا نريد تعديل القانون.
وما دام الاحتكار مستمرا بلا علاج، فلتستمر هذه الضريبة بالارتفاع يوما بعد يوم. لذلك الأولى من كل الجهات التي ترغب في حماية المواطنين من هذه الارتفاعات الجنونية بالأسعار أن تركز على جذر المشكلة، وأن تترك الأعراض. فمعركتنا في محاربة ارتفاع الأسعار هي معركة ضد تجار ومحتكري الأراضي ولا أحد غيرهم.

ماذا عن الكويت؟
ما يحدث في مناطق شرق القرين وتحديداً منطقة المسايل على سبيل المثال وتمت ملاحظته أخيراً من تشوهات وتحايل على على قانون ضريبة الأراضي لكل من يملك أكثر من 5000 متر مربع، ويخلق تشوهات جسيمة في بيانات التداول العقاري التي تصدر من وزارة العدل، وتجعلها لا تعكس الواقع في نشاط القطاع العقاري وتحديداً قطاع السكن الخاص.
فحسب البيانات الصادرة من ادارة التسجيل العقاري والتوثيق في وزارة العدل، نجد أن منطقة مثل المسايل ذات المساحة الصغيرة تتفوق في تداولاتها على أغلبية محافظات الكويت في بعض الأشهر على الرغم من أن %60 من المنطقة تعتبر أراضي شاغرة، وهذا يؤكد وجود حالة من التلاعب والمضاربات الوهمية التي يهدف منها تثبيت أو رفع اسعار الأراضي في المنطقة، وبالتالي تثبت أو ترتفع أسعار أغلبية المناطق المحيطة، والهدف أو الفائدة الأخرى هي دفع تكلفة أقل بـ%75 من تكلفة الضريبة التي يقرها القانون على احتكار الأراضي للدولة.
للأسف، اننا في الكويت تأخرنا كثيرا في تطوير نظم الرقابة وتنظيم العمل في القطاع العقاري، بينما في دول مجاورة لنا يمكن لأي شخص الدخول الى نظام آلي وتتبع مبيعات أي صفقة عقارية لعدة سنوات، بينما سوق العقار بالذات في الكويت وخاصة السكني تعتمد في اتجاهاتها بدرجة كبيرة على نقص المعلومات وغياب الشفافية لتبقى السوق دائما عرضة للتلاعب بالاسعار من قبل محتكري الأراضي وأتباعهم من المضاربين الوهميين وعدم تأثر السوق بقوى العرض والطلب وبالتالي تظهر تقارير التداولات العقارية في القطاع السكني غير واقعية ومبالغاً فيها.
واذا كان النهج الحكومي في التعامل مع القضية الاسكانية أساسا يعتمد على الاحتكار، ويرددون دائما ان السبب في ذلك عدم توافر الكهرباء الكافية وهي حجة باطلة غير مبررة ومردود عليها، فمن غير المعقول ان نوجه اللوم فقط لتجار احتكار الأراضي حتى وان كانوا يتمتعون برعاية خاصة من قبل الحكومة في تشكيل ضرر مباشر على المجتمع.
الحكومة مطالبة بضخ جميع الأراضي التي تمتلكها في شرق القرين من خلال مؤسساتها «الثلاث»، وكذلك بايجاد الحلول لضخ الأراضي السكنية المحتكرة في السوق من خلال رفع الضريبة تدريجيا على احتكار أراضي السكن الخاص مع الرقابة الحقيقية في تسجيل الأراضي كصفقات عقارية لغرض التهرب الضريبي.
كفى يا حكومة، أصبح هذا الخلل عبئا كبيرا على المواطن تراكم لسنوات طويلة، وعبئا لا يستهان به على الدولة في التخطيط العمراني والاسكاني وتوفير القروض، وكل هذه الخسائر الناتجة من التضخم المفتعل كان من الممكن تجنبها لو تم تطبيق قانون منع الاحتكار أو المتاجرة بالأرض التي تعتبر أهم عنصر انتاج في العملية الاقتصادية!

Download Alhisba App

All you need for your real estate from sales and auctions, Calculates the cost of building and calculates the montgage loan and request a formal evaluation now on Apple Store and Andoid.

تطبيق الحسبة

All you need for your real estate from sales and auctions, Calculates the cost of building and calculates the montgage loan and request a formal evaluation now on Apple Store and Andoid.